ابن فرحون
91
تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط القاهرة )
فوعد الناس بالجلوس لهم بعد صلاة الصبح من يوم الجمعة فكان الناس إذا صلوا ذهبوا إلى مجلسه في آخر الحرم حتى إنه ليسمع للمسجد من سعيهم ارتجاج عظيم ، ولم يبق أحد في المدينة إلا حضر مجلسه من مجاورين وخدام ورجال ونساء وصبيان ، وكان قد جعلني قارئ مجلسه ، فأمرني أول يوم بأن أقرأ قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ الآية ( الحج : 73 « 1 » . ومن الحديث : حديث أبي سعيد الخدري : « إنّ الحلال بيّن والحرام بيّن » . وكان يتكلم جالسا ، فإذا غلب عليه الحال قام على قدمه وصاح بأعلى صوته ، فكأنما يقدّ بوعظه القلوب قدّا ، ويفتح عنها بابا موصدا ، وانتفع الناس بكلامه . ومن جملة كراماته أن الأمير الكبير كبيش بن منصور كان متوليّا في المدينة نيابة عن أبيه ، فبلغه أن عمه مقبل بن جماز أقبل من الشام يريد المدينة ، فأمر كبيش بالاحتفاظ منه ، ونادى في الناس : أن لا ينام أحد في بيته ، وليذهبوا كلهم إلى القلعة يبيتون فيها وحولها ، وأن من تخلف عن ذلك حلّ ماله ودمه ، فلحق الناس من ذلك كرب عظيم ، ولم يسعهم غير الطاعة . فكان الناس كلهم مجاورهم وخادمهم وضعيفهم وقويهم وعالمهم وجاهلهم مستوين في هذا الأمر ، ولم يبق من الجماعة غير والدي والشيخ أبي محمد البسكري والشيخ أبي عبد اللّه القصري ، ومن حبسه عذر ، وأقام الناس على ذلك أياما كثيرة حتى اطمأنوا ، وبات الناس في منازلهم ، وذهب عنهم الفزع في زعمهم .
--> ( 1 ) التحفة اللطيفة 3 / 703 .